علي الجارم / مصطفى أمين

7

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية )

كان هذا الكلام غير فصيح لضعف تأليفه ، إذ أصله « ما قرأ محمد مع أخيه إلا كتابا واحدا » ، فقدّمت الصفة على الموصوف ، وفصل بين المتلازمين ، وهما أداة الاستثناء والمستثنى ، والمضاف والمضاف إليه . ويشبه ذلك قول أبى الطّيب المتنبي « 1 » : أنّى يكون أبا البريّة آدم * وأبوك والثّقلان أنت محمّد ؟ « 2 » والوضع الصحيح أن يقول : كيف يكون آدم أبا البرية ، وأبوك محمد ، وأنت الثقلان ؟ يعنى أنه قد جمع ما في الخليقة من الفضل والكمال ، فقد فصل بين المبتدأ والخبر وهما « أبوك محمد » ، وقدّم الخبر على المبتدأ تقديما قد يدعو إلى اللبس في قوله « والثقلان أنت » ، على أنه بعد التعسف لم يسلم كلامه من سخف وهذر . ( 4 ) ويجب أن يسلم التركيب من التعقيد المعنوي ، وهو أن يعمد المتكلم إلى التعبير عن معنى فيستعمل فيه كلمات في غير معانيها الحقيقية ، فيسىء اختيار الكلمات للمعنى الذي يريده ، فيضطرب التعبير ويلتبس الأمر على السامع . مثال ذلك أن كلمة اللسان تطلق أحيانا ويراد بها اللغة ، قال تعالى : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ » أي ناطقا بلغة قومه ، وهذا استعمال صحيح فصيح ، فإذا استعمل إنسان هذه الكلمة في الجاسوس ، وقال : « بثّ الحاكم ألسنته في المدينة » كان مخطئا ، وكان في كلامه تعقيد معنوي ، ومن ذلك قول امرئ القيس « 3 » في وصف فرس : وأركب في الرّوع خيفانة * كسا وجهها سعف منتشر « 4 »

--> ( 1 ) أبو الطيب المتنبي هو أحمد بن الحسين الشاعر الطائر الصيت ، كان من المطلعين على غريب اللغة ، وشعره غاية في الجودة ، يمتاز بالحكمة وضرب الأمثال وشرح أسرار النفوس ، ولد بالكوفة في محلة تسمى كندة سنة 303 ه ، وتوفى سنة 354 ه . ( 2 ) الثقلان : الإنس والجن ، والبيت من قصيدة طويلة في مدح شجاع بن محمد الطائي . ( 3 ) هو رأس شعراء الجاهلية وقائدهم إلى الافتنان في أبواب الشعر وضروبه ، ولد سنة 130 ق ه ، وآباؤه من أشراف كندة وملوكها ، وتوفى سنة 80 ق ه ، وله المعلقة المشهورة . ( 4 ) الروع : الفزع ، والسعف جمع سعفة : وهي غصن النخل .